شبّ الأسى في قلوب الشعب مستعرا

شبّ الأسى في قلوب الشعب مستعرا
يوم ابن سعدون عبد المحسن انتحرا
يوم به كل عين غير مبصرة
إذ كان إنسانها في الدمع منغمرا
يوم به البرق رجّ الرافدين أسىّ
غداة أدّى إلى أقصاهما الخبرا
فلو ترى القوم قاموا في ضفافهما
واستنزفوا من شؤون الدمع ما غزرا
خلت العراقين خدّي ثاكل وهما
سطران للدمع في الخدين قد سطرا
لله يوم فقدنا فيه مضطلعا
بالأمر يمعن في تدبيره النظرا
يوم به فاض فيض الشعر منتظما
كما به فاض فيض الدمع منتثرا
فبالدموع بكت في يومه شيع
وبالقوافي بكت في يومه الشعرا
فالشعر قد قرّط الأسماع مندفقا
والدمع قد قرّح الأجفان منحدرا
والدمع والشعر ممن قد بكى بهما
كلاهما حكيا في يومه الدررا
كلاهما انسجما حتى كأنهما
تسابقا في انسجام عندما انهمرا
فالشعر من هذه الأكباد بلّ صدى
والدمع من هذه الأوطان بلّ ثرى
أبو علي قويّ في عزائمه
لو رام بالعزم دحر الجيش لا ندحرا
أخلاقه كالخضمّ الرهو تحسبه
سهلا ولكنه صعب إذا زخرا
إذا أتاه شكيّ القوم قابله
بكا لنسيم جرى في روضة عطرا
وللمشورة في أوطاننا شبح
تخيف صورته الأشباح والصورا
يجول في طرقات البغي محتقبا
للغشّ خلف ستار النصح مستترا
لم يكفه أنه للحكم مغتصب
حتى غدا يقتل الآراء والفكرا
إذا رأى نهضة للمجد أقعدها
وإن رأى فتنة مشبوبة نعرا
فكم ضغائن بين القوم أوجدها
وكم بذور من التفريق قد بذرا
في كل يوم لنا معكم معاهدة
نزداد منها على أوطاننا خطرا
جفّت بها سرحة استقلالنا عطشا
حتى إذا ما مسنا عودها انكسرا
تقسو قلوبكم لمّا نفاوضكم
كأننا نحن منكم تنقر الحجرا
أما مواعيدكم فهي التي انكشفت
عن مين من مان أو عن غدر من غدرا
لا تفخروا أن كسرتم غرب شوكتنا
لا فخر للصقر في أن يقتل النغرا
لا تستهينوا بنا من ضعف قوتنا
فكم ذبابة غاب أزعجت نمرا
هذي البلاد اغرسوا فيها مودتّكم
ثم اقطفوا من جناها ودّنا ثمر
نكن لكم حلف صدق في سياستكم نمشي
إلى الموت من جرّائكم زمرا
لسنا بقوم إذا ما عاهدوا نكثوا
ولو جرى الدم حتى أشبه النهرا
ولا نحالف أحلافا فنخذ لهم
ولو لبسنا المنايا دونهم ازرا
فنحن أوفى الورى بالعهد شنشنة
ونحن أرفعهم في المكرمات ذرا
سعد وسعدون محمود مقامها
هذا بمصر وهذا ها هنا اشتهرا
كلاهما قد فدى بالنفس أمته
لكنّ سعدون لا سعدا قد انتحرا
فكان بينهما بون وإن غديا
في الشرق أعظم مذكورين ما ذكرا
فإن سعدون دانى الشمس منزلة
وإن سعدا بمصر قارن القمرا
هذا هنا قد سعى للمجد مبتدرا
وذا هناك سعى للمجد مقتدرا
يا أهل مصر وأنتم مثلنا عرب
ما قلتم عندما اعلمتم الخبرا
إن كان قد أرخص الأموال سعدكم
فإن سعدوننا قد أرخص العمر
نم أيها البطل الفادي بمهجته
أوطانه نومة تستيقظ العبرا
نم نومة تجعل التأريخ محتفيا
بها لنضهة أهل الشرق مدّكرا
فليعتبر بك هذا الشعب مفتديا
إن كان شعبك بعد اليوم معتبرا
فسوف تحمدك الأوطان شاكرة
وسوف يذكرك التأريخ مفتخرا
نم مستريحا فإن الشعب مرتقب
ماذا ستفعله من بعدك الوزرا
أيتركون الذي قد كنت تطلبه
أم هم سيقضون من مطلوبك الوطرا
فالشعب منهم مريد ما أردت له
وليس يقبل عذرا ممّن اعتذرا
يا من له ميتة بكر معظّمة
لاغرو أن قلت فيك الشعر مبتكرا

معروف الرصافي

معروف بن عبد الغني بن محمود الجباري ولد في بغداد عام 1875 ميلادي من اصول كردية شاعر كبير و مدرس وأديب . كتب الكثير من الدوواوين الشعرية وله العديد من القصائد البارزة في مجال الاجتماع والدين والفلسفة والحرب اتصف اسلوبه بالرصانة والفصاحة توفي في بغداد عام ١٩٤٥ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى