يا ربيع الحياة

شاهقاتُ الجبال، في الأفْقِ سكرَى
صاعداتٌ مع الشعاع شُعاعا
كلَّلَ الثلج هامَها فتراءَتْ
كشيوخٍ خاضوا الزمان صِراعا
ليتَ شيْبي كشيبِها مَوْسميٌّ
يرفعُ الصّيفُ عن صِباه القناعا
ويُشيع الرّبيعُ فيه جمالاً
عبقريّاً، مُنسَّقًا، مِمْراعا
لو يُصيخ الزّمانُ ساعةَ شَدْوِي
عاد شوقًا أدراجَهُ وأطاعا
غيرَ أنَّ الزّمانَ يمضي سريعًا
عابرًا بي سُدودَهُ والقِلاعا
يا ربيعَ الحياةِ قفْ بي تمهَّلْ
أنا، واللهِ، لا أُطيقُ وداعا
قد قضيتُ الشبابَ أشدو مع الطَّيْـ
ـرِ طليقًا، أرتِّلُ الأسْجاعا
في ضَحوكٍ من الرّياض أنيقٍ
نشر الدَّوْحُ فوقهنَّ شِراعا
أحتمي بينهنَّ من وقْدةِ الحَرْ
رِ، فيبسِطْنَ مِعصمًا وذِراعا
مَرْتَعي رَفْرفٌ من الأيْكِ يجري
تحتَه الماءُ سلْسلاً دفّاعا
كم رشفتُ الرّحيقَ من كلِّ ثغرٍ
أجَّجَ القلبَ حُرقةً والْتِياعا
وهَصرْتُ الغصونَ والليلُ داجٍ
وجنيتُ الجَنى ونلْتُ المتاعا
وبثَثْتُ الغرامَ في كل روضٍ
ضمَّخَ الزهْرُ أفْقَهُ والبِقاعا
بتُّ أشتار من حدائقه الغُنْ
ـنِ وأجني من ورده أنواعا
فإذا ما سألتُ كنتُ مجابًا
وإذا ما أمرتُ كنتُ مطاعا
حلمٌ قد طواه في صدره اللّيـ
ـلُ وصرحٌ من الخيال تداعى
فصحونا على نداءٍ من الشّعـ
ـبِ غزا وقعُه الفؤاد الشّجاعا
ومضينا إلى الكفاح خِفافًا
ومشينا إلى الفداء سراعا
قد ألفت الجهاد دهرًا طويلاً
وحميت الدّيار كي لا تُراعا
خضت فيها معاركًا كالحاتٍ
كنتُ فيها مهنّدًا ويراعا
موطنٌ عزَّ أن أراه ذليلاً
أو أرى أهلهُ الكماةَ جياعا
فيه تصفو الحياة، لونًا وطعمًا
ويلذّ الفدى ويحلو انتجاعا
فالجمالُ الفريد ما زال يوحي،
والجهاد المرير يذكي الصّراعا
يا ربيعَ الحياة قف بي تمهَّلْ
أنا، واللّهِ، لا أطيق وداعا

محمد أحمد المحجوب

محمد أحمد المحجوب ولد الشاعر في عام ١٩٠٨ بمدينة الدويم في السودان . تخرج من كلية الهندسة عام ١٩٢٩ وبعدها درس القانون ونال شهادتها عام ١٩٢٩ . حياته شاعر و مؤلف و مهندس و محامي وقاض وسياسي له العديد من الكتب و الدوواوين الشعرية توفي عام 1976.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى